علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

336

نسمات الأسحار

الأمر بالإنذار فقط فقال سبحانه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ [ المدثر : 1 ، 2 ] والسر في ذلك واللّه أعلم أن الخلق كانوا قبل البعثة في عمى الكفر ، ومتابعة الهوى ، فما كان يليق بحالهم إلا التخويف الشديد والإنذار بالوعيد ، وكذلك زماننا هذا لا يليق بأهله ذكر حكاية ولا خبر يتضمنان ترخيصا ، وإنما يليق به الأخبار المزعجة ، والحكايات المشقة كما كان في ابتداء الأمر ، فإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ ، فإذا استقامت الأنفس على الطاعات ، وفطمت عن المحرمات ، فإن رأى الواعظ الميل إلى القنوط رغب وبشر ، والميل إلى الأمن حذر وأنذر ، والاعتدال وهو محال في زماننا إلا على الأقلين أخلط ترهيبه في ترغيبه ، كما أن من يمشى على الحبل في يده عصاة يسمى الميزان يحاذى بها نفسه ، فإن رأى أنه مال إلى جهة ميل الميزان إلى ضدها ، ليوازن ثقل الميزان ، فيستقيم حاله ، فلو فرض أنه ميل الميزان إلى الجهة التي مال إليها اجتمع الثقلان في جهة واحدة ، وفسد عليه ما هو فيه ، وخر ساقطا إلى الأرض على أم رأسه ، ولكن هذا يحتاج إلى طبيب سليم من العلة التي يداويها ، ماهر يأخذ في علاج العلة بضدها ، ليستقيم حال المريض ، ومن باشر مداواة مريض لا يعرف سبب علته ، أو عرف السبب ولم يعرف الدواء ، أو عرف الدواء ولم يعرف كيفية المداواة ربما يزيده مرضا على مرضه ، وألما على ألمه ، وهذا حال وعاظ زماننا ، وأنى ينتفع بوعظ من هو عاص للّه بوعظه فضلا عن غيره ، تاللّه لو علم الواعظ ماذا ترتب عليه بجلوسه في هذا المقام لتمنى أن يكون من أجهل خلق اللّه كما سيقدم عليه بين يدي ربه سبحانه ، هل نصح أهل مجلسه أو غشهم ، وأنى بالنصح لمن اشتغل عن الأهم بغيره ، فإن الواعظ معلم مرشد ، والتعلم والإرشاد مقام النبوة ، فانظر هل قام هذا المسكين بامتثال المشي على ما كان عليه سيد الأولين والآخرين ، هيهات ، وأين الثريا من يد المتناول فإن جل قصدنا تحصيل الآثار الغريبة ، والأحوال العجيبة . والوعاظ على أقسام ثلاثة : القسم الأول : أعلاهم وأعلمهم . جل همته في وعظه إيراد أسماء الرجال ووفياتهم ، وما في الحديث من النحو واللغة والتصريف والمعاني والبيان والفقه والمنطق ونحو ذلك ، وهذا محمود من وجه ، مذموم من وجه ، فوجه كونه